رفيق العجم

11

موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي

وذلك ممّا يصرف وجهته عن اللّه لأن الهمّة إذا توجّهت لشيء انصرفت عمّا عداه ، قال الشيخ أبو مدين رحمه اللّه : ليس للقلب إلا وجهة واحدة إن وجّهته إليها انصرف عن غيرها ، وقد قال الحقّ سبحانه وتعالى ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ( الأحزاب : 4 ) أي ما جعل له من وجهتين في وقت واحد وذلك لضعف البشرية عن التوجّه إلى وجهتين ، فما توجّه إنسان إلى وجهتين إلا ويقع الخلل في إحدى الوجهتين ، والقيام بالأوجه كلها في الوقت الواحد من غير أن يقع في شيء منها خلل إنما ذلك من شأن الإلاهية . . . فتبيّن لك من هذا أن من طلب الرزق مكبّا عليه مشتغلا عن اللّه تعالى به فليس مجملا في الطلب ومن طلبه على غير ذلك فهو مجمل . وجه ثان وهو أن الإجمال في الطلب أن يطلب من اللّه تعالى ولا يعيّن قدرا ولا سببا ولا وقتا فيرزقه الحق ما شاء كيف شاء في أي وقت شاء . وذلك من حسن الأدب في الطلب ، ومن طلب وعيّن قدرا أو سببا أو وقتا فقد تحكّم على ربه وأحاطت الغفلة بقلبه ، ويحكى عن بعضهم أنه كان يقول : وددت لو أني تركت الأسباب وأعطيت كل يوم رغيفين يريد بذلك أن يستريح من تعب الأسباب ، قال : فسجنت ثم كنت في السجن يؤتى لي كل يوم برغيفين فطال ذلك علي حتى ضجرت ففكّرت يوما في أمري فقيل لي أنك طلبت منّا كل يوم رغيفين ولم تطلب منا العافية فأعطيناك ما طلبت فاستغفرت اللّه من ذلك ورجعت إلى اللّه ، فإذا بباب السجن يقرع فتخلّصت وخرجت فتأدّب بهذا أيها المؤمن . . . ( وجه ثالث ) . وقد يكون الإجمال في الطلب أن تطلب من اللّه تعالى ويكون قصدك مناجاته لا عين ما طلبت وإنما يكون الطلب توسّلا لها ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه اللّه : لا يكن همّك في دعائك الظفر بقضاء حاجتك فتكون محبوبا عن ربك ولتكن همّتك مناجاة مولاك ، وقيل إن موسى عليه السلام كان يطوف في بني إسرائيل ويقول من يحملني رسالة إلى ربي وذلك لتطول مناجاته مع اللّه تعالى . ( وجه رابع ) وقد يكون الإجمال في الطلب أن تطلب وأنت تشهد أنك مطلوب بما قسم لك وأنك مقصود به وليس طلبك موصلا إليه فيكون طلبك وأنت غريق في بحر العجز مغموس في وجود الفاقة ، وقد يكون الإجمال في الطلب أن لا تطلب بحظ البشرية ولكن لإظهار العبودية كما حكى أن سمنون المحب رحمه اللّه كان يقول : وليس لي في سواك حظ * فكيفما شئت فاختبرني فابتلي بعلّة الأسر وهو احتباس البول فصبر وتجلّد فطاوله ذلك فصبر وتجلّد إلى أن جاءه بعض أصحابه فقال يا أستاذي سمعتك البارحة وأنت تطلب من اللّه الشفاء والعافية ، ولم يكن هو طلب ، ثم جاء ثان ثم جاء ثالث ثم جاء رابع فعلم أن مراد الحق منه إظهار الحاجة والعافية فسأل من اللّه الشفاء ثم صار يدور على صبيان المكاتب ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . ( وجه خامس ) وقد يكون الإجمال في الطلب أن تطلب من اللّه ما يكفيك ولا تطلب منه ما يطغيك غير متطلّع إلى ما سوى الكفاية بالشره ولا منبسطا إليه بالرغبة . . . ( وجه سادس ) وقد يكون الإجمال في الطلب أن يطلب العبد حظوظ دنياه قال تعالى فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ